اسماعيل بن محمد القونوي

68

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

لا ينفك عن حال مطلقا بداهة واتفاقا وصفة عطف تفسير لها يوجد عليها فيه إلى أن الكفر وجودي أي إنكار ما علم من الدين لا بمعنى عدم الإيمان ويمكن حمله عليه بالعناية استلزم الإنكار استلزاما عقليا كليا فإن استلزام انتفاء اللازم انتفاء الملزوم كلي عقلي فالبرهان لمي حينئذ فهو أبلغ من البلاغة وكونه من المبالغة يقتضي وجود أصل المبالغة في لا تَكْفُرُونِ وأبلغ أيضا من هل تكفرون ولم يتعرض له لأن الهمزة شائع في الإنكار بخلاف هل وفي كلامه إشارة أنيقة إلى أن المنكر يلي الهمزة فلتضمن كيف معنى الهمزة كان المنكر مدخوله وهو الحال إذ تقديره على أي حال تكفرون كما سيصرح به . قوله : ( وأوفق لما بعده من الحال ) أي : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً [ البقرة : 28 ] الآية لما سيأتي من أن المراد بها علمهم بأحوالهم المقتضية الإيمان والإطاعة فناسب التعرض لإنكار الحال فقيل كَيْفَ تَكْفُرُونَ [ البقرة : 28 ] وقيل فيكون نفي جميع أحوال الكفر المقتضي لنفيه موافقا لتلك الحال بالضرورة فتدبر . قوله : ( والخطاب « 1 » مع الذين كفروا لما وصفهم بالكفر وسوء المقال وخبث الفعال خاطبهم على طريق الالتفات ووبخهم على كفرهم مع علمهم بحالهم المقتضية خلاف ذلك ) فائدة الخبر تمهيد لبيان الالتفات لما وصفهم بالكفر حيث قيل : وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 26 ] والصلة في معنى التوصيف وسوء المقال بقوله فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ [ البقرة : 26 ] الخ وخبث الفعال بقوله : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ [ البقرة : 27 ] الآية خاطبهم على طريق الالتفات كون ما ذكر بعد لما سببا لخطابه لهم محل تأمل إلا أن يقال إنهم بذلك الوصف صاروا متميزين عن غيرهم خوطب بسببه كأنه قيل كيف تكفرون أيها الموصوفون بهذه الصفات الشنيعة الممتازون بسبب ذلك عن الغير على أي حال تكفرون ففي كلامه قوله : لما وصفهم بالكفر وسوء المقال وخبث الفعال الخ وصفهم بالكفر مستفاد من قوله : وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 26 ] وبسوء المقال من ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [ البقرة : 26 ] وبخبث الفعال من الَّذِينَ يَنْقُضُونَ [ البقرة : 27 ] إلى آخر الآيات ويجوز أن يستفاد وصفهم بالكفر مما ذكر ومن قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ [ البقرة : 6 ] الآية ووصفهم بسوء المقال من قول المنافقين عند أمرهم بالإيمان أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ [ البقرة : 13 ] وقولهم حين خلوهم مع شياطينهم إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] لأن هذه الآيات مرتبطة بما تقدمها من الآيات ومنتظمة بها كلام واحد . قوله : خاطبهم خطاب التفات التفت من الغيبة إلى الخطاب تفننا وهز النشاط السامع ومبالغة في توبيخهم تقريعهم في الخطاب أشد والتعبير مشافها أوقع في التخجيل مما وقع بأسلوب الغيبة . قوله : مع علمهم بحالهم المقتضية خلاف ذلك أي خلاف الكفر وهو الإيمان باللّه فإن علمهم بأن لهم إلها محييا ومميتا ومبدئا ومعيد وإليه مصيرهم ومرجعهم يوم الجزاء يقتضي أن يؤمنوا به فكفرهم مع علمهم بذلك منكر غاية الانكار ومستبعد جدا .

--> ( 1 ) وتعدية الخطاب بلفظة مع لتضمين معنى التكلم يقال خاطبه وخاطبت له ولا يقال خاطبت معه كذا قيل .